محمد حسين علي الصغير

65

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

بالعلماء ، وهذه بعض مميزات النص القرآني أن يكون بعضه مفهوما بين الناس دون عناء . ذكر في معنى قوله تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا 72 « 1 » عدة أقوال : إن هذه إشارة إلى ما تقدم ذكره من النعم ، ومعناه : أن من كان في هذه النعم ، وعن هذه العبر أعمى ، فهو عما غيّب عنه من أمر الآخرة أعمى . روي ذلك عن ابن عباس . 2 - إن هذه إشارة إلى الدنيا ومعناه : من كان في هذه الدنيا أعمى عن آيات اللّه ضالا عن الحق ، ذاهبا عن الدين ، فهو في الآخرة أشد تحيرا وذهابا عن طريق الجنة ، أو عن الحجة إذا سئل ، فإن من ضل عن معرفة اللّه في الدنيا ، يكون يوم القيامة منقطع الحجة ، فالأول اسم ، والثاني فعل من العمى . 3 - إن معناها من كان في الدنيا أعمى القلب ، فإنه في الآخرة أعمى العين ، يحشر كذلك عقوبة له على ضلالته في الدنيا ، روي ذلك عن أبي مسلم ، محمد بن بحر ، قال فهذا كقوله تعالى : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى « 2 » . . . وعلى هذا فليس يكون قوله فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى 72 على سبيل المبالغة والتعجب وإن عطف عليه بقوله : وَأَضَلُّ سَبِيلًا 72 ويكون التقدير : وهو أضل سبيلا . قال : ويجوز أن يكون أعمى : عبارة عما يلحقه من الغم المفرط ، فإنه إذا لم ير إلا ما يسوء فكأنه أعمى ، كما يقال : فلان سخين العين . 4 - وقيل معناه : من كان في الدنيا ضالا ، فهو في الآخرة أضل ، لأنه لا تقبل توبته ، واختار هذا الرأي أبو إسحاق الزجاج : وقال تأويله أنه إذا عمي الدنيا وقد عرّفه اللّه الهدى ، وجعل له إلى التوبة وصلة ، فعمي عن رشده ، ولم يثب فهو في الآخرة أشد عمى ، وأضل سبيلا ، لأنه لا يجد طريقا إلى الهداية « 3 » .

--> ( 1 ) الإسراء : 72 . ( 2 ) طه : 124 . ( 3 ) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان 3 / 430 .